شرفة المدى
شرفة القصيدة
شرفة النثر
شرفة الأخر
شرفة البــوح
شرفة الدفء والوطن
شرفة الصحافة
شرفة الضوء
شرفة العائلــة
شرفة الصوت
شرفة الضيوف
شرفة الأصدقاء
شرفة الحـــب والأمنيات
شرفة المسرح
شرفة المرايا
شرفة المقاومة والأمل .
شرفة المقاومة
دفتر الزوار
للإتصال بنا

شرفات مردوك الشامي

كتابات للحرية والحياة

كلما اتسع الحبر رفرفـــت الأجنحـة

.

للقصيدة وطن…

كما للجرح!؟

 ثمة عملية تهميش حول الشعر, تسعى إلى أن تفرغه من مضمونه الإنساني، لتشطح به بعيداً إلى عوالم الخيال. والتهويم والعبث.

فالقصيدة التي تحمل في ذاتها مقومات انتمائها المجتمعي والحقوقي إلى عالمها ومحيطها، ترسمه في ملامحها، وترسم له ملامح مشتهاة لمسقبل أفضل وأكثر إرتقاء، صارت متهمة في نظر الكثيرين بأنها قصيدة مرحلية، مسيّسة وأنها حدثية تسقط فيما بعد حين يزول الحدث.

وصار الشاعر. بمجرد أن يضّمنَ في شعره الوطن وقضاياه المصيرية متحزّبا في قاموس نقّاد المرحلة , فكأنما الوطن والحديث عن قضاياه أمر محبب في مرحلة , وممجوج في مرحلة أخرى .وكأنما الشاعر في عرف المرحلة الثقافية يكون مبدعاً بقدر ما يستطيع التفلّت والهروب في  نتاجه الشعري من الاشارة الى الوطن وقضاياه , ولو مجرد الاشارة. ويخاطب الآخرين بلغة لا يفهمونها , فيكون القارىء في واد والشاعر بعيدا في واد آخر .

وحين يقول أحدهم : القصيدة لا تتحمل أن تكون ذات جدوى اجتماعية أو سياسية,  لا تستطيع أن تتحمل أن تكون ذات رسالة وعظية، لا تستطيع أن تتحمل أن تكون أداة لتعبئة الجماهير او لشحنها أو لتحريضها أو لتأليبها أو لتفكيكها أو لتوحيدها، فهذه المهات لغيرها.

هي دون ذلك، أصغر من غبرة أو من دمعة, أنها بلا احمال ولا أثقال ولا قشور ولا حقائق ولا أمكنة ولا أزمنة…".

حين يقال مثل هذا الكلام وعلي لسان شاعر وناقد له حضوره ومريدوه واتباعه فإنه حقاً يؤسس لقصيدة العبث، لقصيدة اللامعنى، واللاجدوى، واللا قصيدة. ليبعد الشاعر عن ممارسة دوره ولو  كمواطن اجتماعي عادي… يجرّه بعيداً عن أرضه إلى سماء من فراغ، حيث الاغتراب واللامسؤولية، خاصة في هذه الفترة الحرجة من حياة الأمة، وحياة العالم بأسره.. والعالم يغلي على بركان يضرم ناره اليهود بعود ثقاب اسمه أميركا.

حين يصاب المواطن العادي بجرح في جسده… ألا يصرخ،.. ويتألم معبراً عن وجعه؟..

فكيف بالشاعر وهو المليء بالإحساس والمشاعر حين يرى الأمة جريحة في وجدانها وطموحاتها.. هل يكتفي بالتجريد والتهويم ويدخل القصيدة في اللامكان واللازمان  والامعنى أحياناً كثيرة؟..

واذا كانت القصيدة تحمل رسالة الفن للفن، والجمال للجمال، والإغتراب للإغتراب، ويصير دور الشاعر استعراضاً وتأليهاً للكلام، ولم يكن الكلام يوماً بديلاً للوطن. ولم تكن القصيدة وطناً قائماً بذاته، فأي دور يتنكّبه الشاعر حين يكون الجرح كبيراً بحجم الأمة؟..

وحين يكون الشاعر ذاته مغترباً عن هذا الجرح، يرى في القصيدة ملجأ يقيه النزيف..

والكلام اللامنتمي، يبقى كالشاعر الذي يعوزه الانتماء… يبقى دائماً بلا وطن.

   

 

البناء 1991

 

سلطة الفضيحة

 

في روايته " ارض السياد" الصادرة حديثا عن شركة رياض الريس للنشر في بيروت يغطّي الروائي عبد السلام العجيلي عفونة الفضيحة بعباءة الأدب، وينتقد تجاوزات بعض الأفراد بصورة حكائية فيها الكشف المُعلن .. والإضمار الإشاري في الوقت عينه .

وفي كتابه " الأيادي السود" الذي أعيدت طباعته خمس عشرة مرة بعد شهرين على صدوره ، يقدم النائب نجاح واكيم الفضيحة معلنةً وعاريةً على مائدة الوثائق والإحصائيات.

كتابان يتناولان الفضيحة.. الأول تحكمه سلطة الأدب ، والثاني تحكمه سلطة الوقائع الموثقة،وإذا كان الأول لم يتصدر لوائح المبيعات العليا في معرض الكتاب. فان الثاني تجاوز في مبيعه كل الأرقام المتوقعة ، وتلقفه جمهور القراء على عجل ، بالرغم من أن الكتاب لا يزال موضع محاكمة في الأمن العام اللبناني إلى أن تثبت صحة الوقائع والبراهين كونه يفضح عهداً بأكمله وينبش خفاياه بجرأة لافتة ، الا يضعنا" الأيادي السود" أمام أسئلة هامة:

- أي كتاب يريده القارئ؟

- ما الذي يدفع بالكتاب إلى تصدر لائحة المبيعات؟

- هل يتراجع الأدب أمام الفضيحة ؟

لو إن النائب واكيم المشهور إعلاميا اصدر كتابا شعرياً، هل كان سيبيع الطبعة الأولى ؟

أجزم لا، خاصة وأن كبار الشعراء اللبنانيين وقعوا كتبهم في حفلات غصت بالأصدقاء ، لكنهم لم يسترجعوا تكلفة  الطباعة.

( الشيف رمزي ) باع كتابه وكان اولاً على اللائحة .. والشيف رمزي نجم تلفزيوني تعرفه جميع ربات البيوت من خلال مائدته العامرة بأشهى المآكل.

الفضيحة إذن .. او ما توهمها القارئ فضيحةً قادته إلى التقاط " الأيادي السود" بشغف ولهفة .. " وفن الطبخ " فعل الأمر ذاته وقاد الشيف رمزي إلى المقدمة .

الورق بخير إذن ، لكن الكتاب يبقى خارج الشاشة الصغيرة ، خارج نجومية المرحلة.

البناء  العدد 952    19-12-1998

 

 

حكاية جمهورية الــورد

 

لا جــيوش بعد اليــوم في المدينــة الخائفة ! الحاكــم ســّرح جميع العســكر , وحــولهم الى مزارعي ورد !

رجــال الأمــن جميعهــم ســلموا متاعهم الشخصــي ومزقــوا ســجلات التقارير

والتحقوا بالحقــول ليشــاركوا مســّرحي القوى المســلحــة نثر البذور وسقاية المصطبات الواســعة .

حتـى بوليس السير غير أزياءه وغير ألوانها , الزهري والأحمر الجــوري اللون

الجديد لجمهورية الورد .

جميــع الأســلحة الثقيلــة نقلـت إلى البواخر والبوارج والشاحنات الكبيرة لتشــحن مباشرة إلى حيث تتصرف بها كما تشــاء الأمم المتحــدة , كدليل أكيــد على حســـن النوايا .

جميع المعتقلين السياسيين وغير السياسيين أفرج عنهم بقرار نهائي للعفو العام

يشمل أيضا السرعة في تحويل جميع السجـون والمعتقلات الى مدارس ومســارح ومســتودعات للتربة الصناعية والأســمدة والبذور التي يحتاجها الحاكــم لتكون الجمهورية خلال أسرع وقت مجرد حديقة ورد كبيرة ليس مثلها على سطح الكــوكب كلــه .

جمهورية الورد , هكذا اصبح الاســم للبلد الخائف , واجتهد الفنانون في رســم راية جديدة تتناسب والتغييرات , وانكب الشعراء والملحنون على تأليف وتلحين نشيد جديد للبلاد يفوح منه العطر ويخلو من أي كلمة أو عبارة تدل على المجد والقوة والعسكر والصمود والتصدي وغيرها من دلالات قد يساء فهمها , فلا تنجو البلد من الكابوس الذي يقلق الحاكم ورعيته المقربة , والعائلة الحاكمة منذ أجيال .

 

البلد الكبير الذي وراء البحــار قرر حاكمه الأبيض فجأة تطهير العالم من كل معارض وكل من يقف في طريق ثورته العالمية التي هدفها تحرير كل الشعوب وتحديدا التي في شرق العالم من حكامها وتاريخها , لتصير جديرة بالحياة المعاصرة , وبعض البلدان التي لم تستجب لرغبات الحاكم الأبيض أرسل إليها جيوشه بشكل شخصي ,وصحح أغلاطها فصارت عبرة لكل من لا يعتبر !

 

 

 

حاكم جمهورية الورد , ألغى من بلاده اللون الكاكي , ورمى حتى سكاكين المطبخ في البحر القريب , وحــول حرســه الخاص إلى فرقة للدبكــة , والوزراء أخضعهم لدورات في تنسيق الزهور , وفهم الموسيقى الكلاسيكية الحالمة .

وبسرعة الضوء ألغى الأحكام العرفية والبطالة , وفرض على جميع أحزاب البلاد تغيير أسمائها ليصبح كل حزب باسم أحد أنواع الورود : حزب الجوري , بدلا من الحزب الجمهوري , حزب الياسمين , حزب السوسن , حزب القرنفل , وحزب البنفسج ,,وهكذا دواليك , تغير كل شيء ,حتى الخطابات العصماء العتيقة صارت خطابات عن فضيلة الورد وأهمية العطر وضرورة الحدائق ,وطلب من بلديات الجمهورية أن  تطلي جميع الأبنية باللون الزهري والوردي والأبيض ,حتى إسفلت الشوارع تم طليه بألوان قوس قزح . وهكذا ارتاح الحاكم بعد أن أثبت حسن نواياه

وبعد أن صارت جمهوريته مسالمة وطيبة ورائعة وفواحة الرائحة .

ومــع ذلك ظل محتفظا تحت وسادته في قصر الورد الجمهوري بسكين خاصة ,

لأنــه كان يعلم بينه وبين نفســه أن الحاكم الأبيض لن يكتفي بكل ما حدث , وانه سيحضر إن عاجلا أو آجــلا لاقتلاعه شخصيا واقتلاع كل الورود في الوقت

 نفســه !

 

 الناقد الفرد..

والناقد المجتمع؟.

 

في غياب الناقد  الواعي والمتزن، وفي غفوة الرقابة التي يمثل الناقد الموضوعي.  وجهها الأسمى. تختل الضوابط والمقاييس، ويختلط في ساحة الثقافة مبدعوهاً ومدّعوهاً. خاصة إذا رافق هذا الغياب النقدي هبوط في المستوى الحسي لذلك الناقد الموجود في كل قارىء، وتشوه في أسس القياس الجمالي الفطرية النشوء عند الأكثرية والتي تسمح للبعض أن يميز في قراءاته بأسلوب فطري أيضاً بين أدب راقٍ، يقوده في مجالي الفكر والحلم إلى عوالم الإبداع، وبين ثقافة هابطة غير مسؤولة.

وما تطرحه اليوم دور النشر في حمى التسابق على إحتلال واجهات العرض التجاري،.. وما تدفعه كل حين المنابر الثقافية الأسبوعية واليومية من نتاج هجين وأسماء تتكاثر خالية من مقومات المبدع الحقيقي، وما تقدّمه دور العرض الفنّية من معارض رديئة، وما تبثه الإذاعات وأجهزة التلفزة من أغان تخدش الذوق العام.. لهو الدليل على التناغم السري الحاصل بين المنبر والمتلقي،... وعلى التواطؤ القائم ما بين ثقافة، "القصور" الحضاري وجمهور هذه الثقافة.

فالقارىء الذي أسرته حضارة "الكوكاكولا" لا يعنيه بأي شكل أكانت القصيدة التي يقرأها تحمل داخل إطارها فناً حقيقياً، أو تزييفاً للحقيقة.

والمثقف المدّعي الذي يستهويه الظهور بشتى أشكاله، لا يهتم إن كان يحمل في قلمه أو ريشته همّ الإرتقاء بمجتمعه والتعبير عن آماله وارائه.. أو أنه يكون إنعكاساً لهمّه الشخصي بعيداً عن متحده الاجتماعي.من هنا يتضح حجم الفراغ الذي تركه غياب الناقد المقوّم، في سطوة الناقد المقيّم، ومدى اتساع الهوة بين ثقافة الابداع وثقافة الاتباع،.. بحيث فقد المثقف دوره الريادي في بناء نهضة حضارية بأبناء مجتمعه، وخسر دور السبّاق والكشّاف. ودور القائد في عمق رؤيته ورؤياه.

وماذا ينتظر منه غير ذلك، حين يكون صورة وانعكاساً لواقع مضطرب النزعات في مجتمع تتنازعه عوامل الفوضى والإضطراب.

 حين نريد للثقافة أن تضطلع بدورها في تحصيل الوعي الراقي، وللأدب أن يتنكّب مهمة اكتناه أفق جديد لمكوننا النفسي… نحتاج إلى قيام نهضة مادية روحية على مختلف أصعدة الحياة، تحرك المستنقع الراكد، وتفعّل الوعي الاجتماعي لبعث الجيل الجديد القادر على حمل لواء الحياة الجديدة للامة بأسرها.

"وحيث لا فكر ولا شعور جديدين في الحياة، لا يمكن أن تقوم نهضة أدبية فنية"…

حين لا يكون الوعي ملتحماً بالوجود، وقادراً على قراءة المستقبل. والإنهماك في صنعه.. تصبح الثقافة خارج مسؤوليتها وخارج غايات الحياة والثقافة التي لا تنفع كالجهالة التي لا تضر.

أيضاً في غياب الناقد الفرد، نحتاج إلى الناقد المجتمع، نبنيه داخل نفوسنا ومشاعرنا منزهاً عن النزوات. مليئاً بالمعرفة التي تمنحنا القدرة والقوة على الإستمرار…

  1991البناء