|
من أعمال الفنان جمعة الناشف
الكوكب مليء بالتلوث البصري،..
ما أروع العمى؟!
يبدو أن هناك أزمة رؤية في العالم،.. وتحديداً في بلادنا،.. وعلى الأخص في الطبقات السياسية التي عليها أن ترى جيداً، لكي لا توقع بنا عن غير قصد أو عن قصد في القيعان والحفر والأفخاخ. كل شيء ضبابي جداً،.. ملتبس وغامض،. والسبب ليس الطقس والأحوال الجوية،.. السبب الرئيسي الأحوال الرؤيوية والعينية،.. وانتشار مرض العمى وقلة الإبصار، وسرطانات البصيرة،.. ونقص المناعة في الرؤى والكشف والشَوف والانتباه!..
متعب أنا في هذا الشهر،.. أصوم قدر مستطاعي عن الكلام والتنقل،.. وأعيش شبه عتمة مفروضة علي جرّاء ما يسمونه في العامية " شحاذ" قرر أن يجلس على رصيف عيني اليسرى ويمد قدميه إلى داخلها ! .
الخروج ممنوع في الشمس،.. والهواء،.. وإذا خرجت مضطرا لألبي دعوة صديق أو صديقة , أو واجب صحفي ألبس نظارة سوداء لا أضعها،وأمشي في طرقات لم تعد كما كانت قبل عام , الناس كما السكارى يمشون , كلهم شارد ويعيش الهذيان على طريقته ,. كلهم يشعر أن ثمة ما يطبخ لهم في الكواليس , والإعلام الذي كان منارة ,تحول إلى أداة مهمتها زراعة الرعب في النفوس !
في غمرة كل ما يحدث، يرن الهاتف , صبية ماهرة بالإقناع تتصل لتبيعني موسوعات تصدر عن دار نشر هامة , والدفع بالتقسيط . أحاول الاعتذار فتستمر في إلحاحها , غدا سترسل لي مندوبة من قبلها لأختار ما أريد وأقوم بإجراءات التقسيط المطلوبة .
كم ستكون خيبة أملي كبيرة إذا أرسلوا مندوبا ذكرا , أو كانت المندوبة المرسلة إلي يتجاوز وزنها المائة كيلو غرام ولا تشبه واحدة من نجمات الفيديو كليب !ّ
لا تزال عيني تؤلمني , وأخشى أن افقد النظر ولا رأسمال لي سواه ؟.
ومتى يبصر أهل السياسة، ويدركون أننا وصلنا إلى ما وصلنا إليه، بفضل ضعف عيونهم وعماهم الأكيد!..لو أنهم يبصرون جيداً، لكانوا اكتشفوا أن ميليس كتب تقريره قبل اغتيال الحريري،.. وأن لبنان اشتعلت فيه الحرب قبل بوسطة عين الرمانة،.. وأن العراق اشتعلت فيه النار منذ هولاكو،... وفلسطين تعرضت للاغتصاب على يد اليهود، قبل وعد بلفور،.. ولكانوا رأوا أننا مقبلون جميعنا على الهاوية،.. وأن الغد لم يعد لناظره قريب، طالما لا نمتلك حاسة النظر!..
مشكلتنا في عالم العرب، إننا نمتلك عيوناً ولا نرى جيداً،.. وأننا حين نرى نتوقف عند السطوح ولا نغوص في الأعماق،.. وأننا أحياناً ننام مع أن عيوننا مفتوحة..
أستغرب كيف لا تمتلئ مستشفيات العيون بملايين المواطنين من شعوب العرب، كي يقوموا بفحص عيونهم جميعاً، ثمة خلل، ليس في المشهد،.. بل في العين،.. ثمة تشوّه ليس في الحياة بل في مقدرتنا على رؤية الحياة...
النظارة السوداء رفيقتي هذه الأيام... تعجبني الظلمة المفروضة عليّ،.. لا أقرأ الصحف،.. لا أتابع نشرات الأخبار،.. لا أرى ما يحدث في الشارع العربي الجامد حتى الجثة..
هكذا أنا سعيد،.. وسأشفى قريباً من كل ما عانيته من آلام في عيني،.. فقط حين أتوقف عن قراءة كل القصائد الحديثة، والمسلسلات الحديثة، والفيديو كليبات الحديثة...
الكوكب مليء بالتلوث البصري،.. ما أروع العمى!
اللوحة أحيانا تكون القصيدة والايقاع والتوهج
وأحيانا تسعى القصيدة لاختلاس اللون .
الجمال ليس مستحيلا على التحقق .
فإني يا وجوه الخير ...
لستُ البوق للسيّافِ..
لستُ ممّسح التيجانِ ..
لا بيتاً بكل الأرض املكُهُ
سوى قلمي ..
وكلُّ رصيدي الذهبي..
هذا الشعرُ
هذا الصوتُ
امنحه لأصغر طفلةٍ بالتْ
على الراياتِ اجمعها
وقالت في ازدحام الزيفِ
بالشهداء افتخرُ.
|