شرفات أخرى لمردوك الشامي
قصائد وكتابات في الصحافة والحياة
.
.

الحقيقةُ.. والمُخرج؟!.

 

 

قتلوه اصطياداً!..

المكانُ وأداة الجريمة،.. والحريق الكبير،.. والصدى المفزع،.. والدم الذي سال،.. وانكسار الزمن،. وانتحار الطمأنينة،.. كل هذه التفاصيل، أعدّت مسبقاً،.. ورسمت في أستوديوهات هوليودية متخصصة!..

الفارق الوحيد،.. أن الممثلين كانوا عرباً،..

والضحايا عرباً،.. وموقع التصوير لبنانياً،.. والمخرج الأميركي كان بكل بساطة يعرف ما يريده تماماً،.. ويدرك إلى أين ستصل الأمور!.

منذ اللحظة الأولى وقبل أن يحددوا وفاة الضحية،.. حدّدوا المتهم وأدانوه،.. ثم تتابعت بقية الأحداث في عمل دؤوب ومستمر وملّح لصناعة الآدلة!..

وتنافسنا على من يصل إلى القاتل / الحقيقة أولاً،.. على من يتخيل أكثر،.. ومن يبتدع أكثر التصورات حول ما حدث!..  

يخرج أحدهم إلى الشاشة ليعلن مسؤوليته عن القتل،.. فلا يصدقونه، مع أنهم في هوليود وغيرها،.. اعتادوا تصديق كل الذين يصورون بكاميرات هوليودية الصنع اللحظات الأخيرة التي تسبق تنفيذ الجرائم الكبرى،.. لماذا لم يصدقوا ذلك الشاب الذي اعترف؟!. لا أحد يجيب عن ذلك!.. انقسمت البلد حول من قتل ومن خطط،.. وتوحدت حول مطلب واحد: الحقيقة!..

والحقيقة أن البلد في إنقسامها وفي توحدّها لم تكن للحظة واحدة هي نفسها،.. كانت كل الآخرين ووشواتهم وارشاداتهم وأصواتهم،.. لم تكن هي على الإطلاق!..

تعودّنا الامتثال للأوامر!..

تعوّدنا تنفيذ ما يقرره الآخرون عنّا!..

الذي كان شقيقاً صار المتهم الأوحد،.. أخرجوه ثم عمدوا إلى اعتقاله بأصفاد مستوردة،.. الذين حافظوا على مشاعر الأخوة،. والخبز والملح،.. صاروا ملاحقين بتهمة العمالة للمحتل!..

العملاء السابقون، الذين تحالفوا مع العدو الأساسي،.. صاروا السلطة،.. وسفارات أشقاء العدو الأساسي،.. وحدها اليوم تحكم باسم "الحقيقة"!

وحده المقتول،.. أظنه يضحك منّا جميعاً،.. وحده يعرف قاتله،.. ويدرك أن الذين يطالبون بدمه،.. أراقوه!..

السيناريو لا بد أن يكتمل،.. البلد الآمنة،.. لا ينضحك عليها بسهولة،.. فلتكن البلد غير آمنة،.. والمتهم موجود أصلاً،.. والمتهم فقد التوازن لأنه يشعر بالمهانة،.. والغبن،.. وهوليود ماهرة في التحليل النفسي،.. والتحريضي،.. وتشويه الصورة وتجميلها،.. السيارات المفخخة،.. وحدها تسير بسرعة على أوتوستراد الفيلم الطويل،.. والمحقق الدولي الشاطر،.. يستند على معلومات الصدّيق،.. والعدو،.. والبلد على حافة بركان،.. والصاعق بيد المخرج،.. لحظة يشاء،.. سيشعل البلد،.. وما أشطرنا في لعب دور الضحايا!..

الشقيقُ المتهم يحاول الانتحار،.. يقطع شرايين يديه،.. هو لا يتقن التصرّف،.. ومنحه صك البراءة بيد المخرج،.. المخرج لا يريد الحقيقة،.. لأنه يعرفها قبل وقوع الجريمة،.. هو يريد أن يضعنا جميعنا في حظيرة الأمر الواقع،.. وكلما إنحنينا أكثر،.. كلما كنا أبرياء وديمقراطيين،.. وحضاريين.

فجأة تظهر في بلادنا عدوى (إنفلونزا الطيور)،.. ولأننا جميعاً في نظر المخرج من صنف الدجاج،..   

فنحن نشكل بالنسبة له ولبقية العالم الوباء الذي يجب إيقافه قبل أن يستشري قريباً جداً،.. سيعمدون إلى تطهيرنا،.. ستتحرك البوارج والطائرات،.. وهذه المرة قواعد الانطلاق نحونا،.. ليست بعيدة،.. ستقول الحقيقة : كلنا متهمون وجناة،.. ومصابون بأنفلونزا الإرهاب،. لهذا،.. نحن محكومون جميعاً بأن نكون في محرقة واحدة،.. الصديق والشقيق،.. وأهل القتيل،..

بالنسبة لهم، العالم من دوننا مكان أفضل للرقص،..

ونحن شعوب تعودت منذ كربلاء،.. أن ترقص على وقع السكاكين تنحر أعناقنا،.. وهذا واقع لا يرضي صنّاع البالية، ورقص الصالونات الفاخرة،.. دمُنا قد يلوّث سجّاد قصورهم،.. وفضاءات اللوحة العالمية القادمة،..

لهذا،.. سيعمدون إلى إحراقنا،.. وإلغائنا،.. السيناريو محدد تماماً،.. وكل ما علينا فعله،.. ونحن نفعله جيداً،.. أن نتمدد على طريق المحقق الهوليودي،.. لنكون الحجارة التي تعبّد له الطريق نحو الفوز، كي يحظى بثناء أولياء أمره،.. وربما بجائزة نوبل للسنة المقبلة،..

يا الله، كيف لا نبصر أبداً،.. أنهم يحولوننا جميعاً إلى كبش سمين،.. ينحرونه على مائدة الأمم المتحدة على محونا؟.

 

(0) تعليقات

<<الصفحة الرئيسية
.
.